شرع لينين آنذاك في بحث نظري كبير للإمبريالية والذي بلغ ذروته في مؤلفه الهام "الإمبريالية أقصى مراحل الرأسمالية". من بين أسباب تأليفه لذلك الكتاب الرد على كتاب هيلفردنغ "الرأسمال المالي"، الذي نُشر في عام 1910 ، والذي قام فيه هذا الأخير بتجاهل التناقضات المتأصلة في الرأسمالية وحتمية الصراع بين الإمبرياليين، وتحدث عن إمكانية ظهور كارتل عالمي، واقتصاد مخطط عالميا في ظل الرأسمالية الاحتكارية وحل النزاع بين العمل المأجور والرأسمال، أو فكرة "الرأسمالية المنظمة"، التي هي نسخة مبكرة لفكرة "الرأسمالية الموجهة" التي كانت محبوبة جدا عند القادة الإصلاحيين خلال الخمسينات والستينات. وقد اعتمد كاوتسكي في وقت لاحق على فكرة هيلفردنغ حول الرأسمالية المنظمة لبناء نظريته عن الإمبريالية العليا، وهي الفكرة التي انتقدها بوخارين في كتابه "الإمبريالية والاقتصاد العالمي"، الذي عبر لينين عن إعجابه به.

إذا كان كامينيف يمثل انحرافًا في اتجاه الانتهازية، فقد كانت هناك أيضًا انحرافات عصبوية ويسارية متطرفة، خاصة بين فئة من المنفيين. إذ تبنى بوخارين وبياتنسكي، إضافة إلى عناصر قيادية أخرى، موقفا يساريا متطرفا في ما يخص المسألة القومية. وقد أصر بعض أنصار جماعة بوخارين (ن. ف. كريلينكو وف. روزميروفيتش) في سويسرا على إصدار جريدة محلية خاصة بهم، في تحد منهم للجنة المركزية التي قررت، بسبب نقص الموارد المالية، أن تمنع المجموعات المحلية (باريس، جنيف) من القيام بذلك، الشيء الذي أدى إلى خلاف كبير حول هذه القضية. لينين، الذي كان يولي بوخارين مكانة خاصة، ويعترف له بإخلاصه وقدراته كمنظر، كان مع ذلك على دراية تامة بنقاط ضعفه. لقد احتلت مسألة تقرير المصير دائما مكانة مركزية في الترسانة النظرية للبلاشفة، لكنها صارت آنذاك، في خضم الحرب الإمبريالية، أكثر أهمية بكثير. لم يكن من الممكن تقديم أية تنازلات بخصوص هذه المسألة لأنها كانت تتضمن مسألة الإلحاقات- والتي هي مسألة مركزية في زمن الحرب.

واجه لينين طوال فترة الحرب الكثير من المتاعب داخل معسكره الخاص. ولم تكن تلك المرة الأولى أو الأخيرة التي يجد فيها نفسه معزولا داخل قيادة حزبه. فبعض البلاشفة، الذين كانوا أقلية على كل حال، فقدوا البوصلة تماما حتى أنهم تحولوا إلى الشوفينية، مثل أعضاء جماعة المهاجرين الباريسية الذين تطوعوا بالفعل للعمل في الجيش الفرنسي. فحتى البلاشفة أنفسهم لم يكونوا محصنين ضد ضغوطات نزعة الدفاع عن الوطن. وهؤلاء لم يكونوا مجرد أعضاء عاديين بل أعضاء القيادة البلشفية في المنفى. كان الحزب يعيش أوضاعا صعبة ولم تكن لديه حتى إمكانية تنظيم مؤتمر للمنفيين. وعلى أي حال من كان سيحضر؟ وهل كان لينين سيحقق أغلبية سياسية؟ لم يكن ذلك مضمونا. كانت هناك الكثير من المشاكل مع مختلف المجموعات المحلية للمنفيين، الذين كانت تظهر عليهم بوضوح علامات الإحباط، ولم تكن قضية مثقفي مجموعة باريس سوى تعبير واحد عن ذلك الوضع.

إن إقالة الدكتاتور السوداني السابق، عمر البشير، واستيلاء الجيش على السلطة في 11 أبريل هو محاولة لإرباك الجماهير وسرقة إنجازهم. ومع ذلك، فإن الجماهير لن تتخلى عن نصرها الذي حققته بشق الأنفس بهذه السهولة. وهذا المقال الهام الذي توصلنا به من طرف الرفيق محمد حسام، المناضل الماركسي الثوري من مصر، يوضح مسارات الثورة ومنظوراتها ويحدد مهام الماركسيين والثوريين السودانيين في التنظيم لبناء القيادة الثورية من أجل نظام اشتراكي يقوم على إلغاء الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج ووضعها تحت رقابة وإشراف العاملين بها.

«خمد صوت الحركة الثورية بمجرد ما بدأت طبول الحرب تقرع. تم إرسال الفئات الأكثر نشاطا من بين العمال إلى التجنيد. وانتزعت العناصر الثورية من المصانع وألقي بها إلى جبهات القتال. كما تم فرض عقوبات صارمة على الإضراب وتم قمع الصحافة العمالية، وخنق النقابات العمالية. تدفق مئات الآلاف من النساء والأطفال والفلاحين إلى ورشات العمل. تسببت الحرب -إضافة إلى تحطم الأممية- في خلق تيهان سياسي كبير بين العمال، ومكنت أصحاب المصانع، الذين رفعوا رؤوسهم آنذاك، من استعمال خطابات وطنية وجرفوا معهم قسما كبيرا من العمال، وأجبروا العمال الأكثر جرأة وحزما على اتخاذ موقف التحفظ والانتظار. بقيت الأفكار الثورية موجودة بالكاد في حلقات صغيرة وصامتة. في المصانع في تلك الأيام لم يكن أحد يجرؤ على وصف نفسه بأنه "بلشفي"، وذلك ليس فقط خوفا من الاعتقال، بل أيضا من أن يتعرض للضرب على يد الفئات المتخلفة من العمال» .

لم يكن ذلك هو المحتوى الحقيقي لشعار لينين، بل كان مجرد وسيلة للتعبير عن الحاجة إلى النضال ضد الشوفينية ومعارضة "Burgfrieden" (السلم الاجتماعي). كان جوهر الموقف هو التأكيد على أن الاشتراكيين لا يمكنهم تحمل أي مسؤولية في الحرب الإمبريالية، وأنه حتى هزيمة روسيا تعتبر "أهون شراً" من شر دعم البورجوازية الروسية وحربها التوسعية. لقد كان من الضروري غرس هذه الفكرة في عقول الكوادر، لتحصينهم ضد مرض الشوفينية. إلا أن لينين، من ناحية أخرى، كان واقعيا جدا ويفهم أنه من الخطأ الفادح الخلط بين الطريقة التي يرى بها الثوريون الأمور وبين مستوى وعي الجماهير. يتمثل كامل فن بناء الحزب الثوري وترسيخ جذوره بين صفوف الجماهير على وجه الدقة في معرفة كيفية الربط بين البرنامج الماركسي العلمي الكامل وبين وعي الجماهير الذي هو بالضرورة غير مكتمل ومشوش ومتناقض. ولهذا السبب بالتحديد، قام لينين بتعديل موقفه عندما عاد إلى بتروغراد في الربيع، مشيرا إلى أنه رأى أن هناك نوعان من النزعة الدفاعية، هما نزعة الاشتراكيين الشوفينيين الخونة ونزعة "الدفاعية النزيهة" عند الجماهير. وهو عندما قال هذا لم يتخل عن موقفه السابق حول الانهزامية الثورية، بل اعترف فقط بأنه يجب عند نقل هذه الأفكار إلى الجماهير أن تأخذ في الحسبان المستوى الفعلي لوعيها. إن عدم القيام بذلك كان من شأنه أن يحول الحزب إلى مجرد عصبة.

اليوم، 11 أبريل، وبعد أزيد من أربعة أشهر من الحراك الثوري المتواصل، تمكن الشعب السوداني من إسقاط الجنرال البشير، الذي حكم السودان بيد من حديد طيلة ثلاثين سنة. إنه انتصار مهم ليس للشعب السوداني وحده، بل لعموم شعوب المنطقة والعالم أجمع، رغم أنه ليس سوى خطوة أولى في مسيرة ثورية لا بد أن تنتهي بإسقاط النظام ككل وليس الإطاحة برمز واحد من رموزه فقط.

يشكل مسلسل "تروتسكي"، الذي تبثه قناة نتفليكس، والذي أنتجه التلفزيون الحكومي الروسي، تشويها فضيعا لحياة تروتسكي ولثورة أكتوبر في نفس الآن. وفي هذا المقال يرد آلان وودز وجوش هوليرود على هذه الصورة المهينة لتروتسكي ولإرث البلاشفة.

ما تزال الحركة الثورية في الجزائر محافظة على زخمها، بينما بدأ النظام في الانهيار. مرة أخرى خرج ملايين المتظاهرين إلى الشوارع، يوم الجمعة 22 مارس، وتتطور حركة إضراب عام جديدة قد تؤدي إلى إسقاط النظام الفاسد بأكمله.

بالأمس [الجمعة 15 مارس] خرج ملايين الجزائريين إلى الشوارع في الجمعة الرابعة على التوالي احتجاجًا على نظام عبد العزيز بوتفليقة. وقد كانت هذه الاحتجاجات، وفقا للتقارير الأولية، أكبر حتى من تلك التي هزت النظام يوم الجمعة الماضي (08 مارس). إن النظام الذي اعتاد منذ فترة طويلة على ممارسة جميع جرائمه دون عقاب، قد اضطر الآن إلى أن يفهم أن الجماهير الثورية لن تستسلم بسهولة.

شهدت مدينة كريست تشيرش، بنيوزيلاندا، هجوم همجيا على مسجدين على يد إرهابي فاشستي يميني متطرف، قام بإطلاق نار عشوائي على رجال ونساء وأطفال أسفر عن مقتل 50 شخصا وجرح كثيرين آخرين، وصور نفسه وهو يقوم بأفعاله الدموية. يأتي هذا العمل الإرهابي في ظل تعمق الأزمة الاقتصادية وتصاعد التوترات الاجتماعية والسياسية في جميع أنحاء العالم. لقد أدان جميع الناس الأسوياء بحق هذا الهجوم، لكن علينا أن نطرح على أنفسنا السؤال التالي: لماذا تقع مثل هذه الأعمال الإرهابية، وما الذي يمكن فعله لإنهاء هذه الهمجية؟

تعيش الجزائر، منذ يوم 22 فبراير الماضي، على وقع مظاهرات جماهيرية حاشدة عمت كل ربوع البلد، وهي الاحتجاجات التي تعتبر الأكبر من نوعها منذ حراك العروش في يونيو 2000.